محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

490

شرح حكمة الاشراق

والمظلمية ، ويذهبون : إلى أنّها جواهر مجرّدة مفارقة للموادّ ثابتة في الفكر والتّخيّل النّفسىّ ، بمعنى أنّها مظاهر لهذه المثل الموجودة في الأعيان لا في محلّ ، وإلى أنّ العالم عالمان : عالم المعنى المنقسم إلى عالم الرّبوبيّة وإلى عالم العقول ، وعالم الصّور المنقسم إلى الصّور الجسميّة ، وهي عالم الأفلاك والعناصر ، وإلى الصّور الشّبحيّة ، وهي عالم المثال المعلّق ولمّا كان الصّياصى المعلّقة ليست في المرايا وغيرها ، من القوى الخياليّة والأشياء الصّقيلة ، كالماء والهواء نحوهما ، وليس لها محلّ من هذا العالم ، وإلّا لوجب إدراكها بالحواسّ الظّاهرة من غير افتقار إلى مظاهر ، فهي جواهر روحانيّة قائمة بذواتها في العالم المثالىّ ، الرّوحانىّ ، لا يمكن أن يدركها الحواسّ إلّا بمظاهر . وإذا كان كذلك ، فيجوز أن يكون لها مظهر من هذا العالم ، أي : عالم الحسّ ، تظهر به ، كصقالة تحصل في الهواء وصفاء ، وكذلك في الماء وأجزاء الأرض ، وربّما تنتقل في مظاهرها ، من مظهر إلى مظهر ، إذ لها قوّة الانتقال ، فتظهر في الهواء مرّة وفي الماء أخرى ، وكذا في غيره من المظاهر ومنها ، ومن هذه الصّور المثاليّة المنتقلة في المظاهر ، يحصل ضرب من الجنّ ، هو عند المتكلمين عبارة عن حيوان هوائىّ ناطق مشفّ الجرم ، من شأنه أن يتشكّل بأشكال مختلفة ، والشّياطين ، وهو صنف من الجنّ ، وكذا الغول . فرآها كثير من النّاس في مظاهر وهيئآت مختلفة . وقد تظهر في بعض البلاد والأراضي أكثر ، لمناسبة لهم فيها ، على ما تحقّق عند المصنّف ، بشهادة جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب وإليه الإشارة بقوله وقد شهد ، أي : عنده ، جمع لا يحصى عددهم من أهل دربند ، وهو من مدن شروان ، وقوم لا يعدّون من أهل مدينة تسمّى ميانج ، وهي من مدن آذربيجان : أنّهم شاهدوا هذه الصّور ، المثاليّة الجنّيّة الشّيطانيّة ، كثيرا ، بحيث أكثر أهل المدينة كانوا يرونهم دفعة في مجمع عظيم على وجه ، ما أمكنني دفعهم . وليس ذلك مرّة أو مرّتين ، بل في كلّ وقت يظهرون ، ولا تصل إليهم أيدي النّاس .